تلخيص كتاب “الإمداد القوي في شرح الورد الدرقاوي ـ الحلقة الثانية ـ

تلخيص كتاب “الإمداد القوي في شرح الورد الدرقاوي

ـ الحلقة الثانية ـ

بقلم الدكتور مولاي عبد الهادي بصير

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته معكم إن شاء الله تعالى في الحلقة الثانية من تلخيص كتاب إمداد القوي في شرح الورد الدرقاوي شكرا جزيلا على تفاعل الاخوة وإبداء رأيهم وتصحيحاتهم هذا يزيدني إصرارا على متابعة ما نوينا التقرب به الى الباري تعالى ليتقبله منا بالقبول الحسن وينفع به الكاتب والقارئ وبالله اقول:”
من هذه الزاوية تتجلى أهمية الذكر “ذلك الجانب المنسي من حياة الإنسان المسلم” ، لذا اعتنت به شريعة الله أيما اعتناء، فوضعته في حياة الإنسان المسلم في سلم درجات الحقائق الإسلامية، وفي مرتبة الضرورات، ولم تدع إلى الإكثار من شيء، دعوتها إلى التزامه بكرة وعشيا قال تعالى:  يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا  [الأحزاب الآية:41] لأنه الحصن الحصين الذي يأوي إليه في المنشط والمكره.
إذ ما تقف على آية من كتاب الله تحث على الذكر إلا تجد فيها مواساة من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أمام شدائد ومحن محدقة به وبمن معه، فينبهه الركن الشديد من ذكره عز جل، كقوله تعالى:”فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى” [ طه الآية: 130].

وقال:”فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا” [الإنسان الآية: 24]، وقال أيضا:”فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار” [غافر الآية : 55].
وكذلك الشأن بالنسبة للمسلمين إذا أحاط بهم العدو وضاقوا به ذرعا فإن العناية الربانية تمدهم سبب من أسباب التحرر من هذا البغي والعدوان يقول لهــم:”يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون” [ الأنفال الآية : 45]، فأمرهم بالذكر الكثير والجهاد معا، ليكونوا على رجاء من الفلاح، بل إن هناك توجيهـا ربانيا عظيما عاما لهـذه الحقيقـة الكونـية في آيـة من كتـاب الله تعـالى وهـي قوله تعـالى: ” واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ” [ الأعراف الآية: 205].

وإذا تصفحنا تاريخ الذكر، فسنرى أن الذكر قديم قدم الديانات، منذ خلق الله آدم عليه السلام وأنزله إلى الأرض، تعاقب ذكره في الكتب السماوية السابقة قال تعالى:” قد أفلح من تزكى  وذكر اسم ربه فصلى  بل توثرون الحياة الدنيا  والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى  صحف إبراهيم وموسى   [الأعلى الآيات :14-19]، فهذا حال من أراد أن يتزكى، أي يطهر من الذنوب ورؤية الأغيار: هذا الذي تطهر وذكر وصلى، قد أفلح يقينا؛ أفلح في دنياه فعاش موصول القلب، شاعرا بحلاوة الذكر وإيناسه، وأفلح في أخراه فنجا من النار الكبرى وفاز بالنعيم الرضا… وفي الختام تجئ الإشارة إلى قدم هذه الدعوة وعراقة منبتها وامتداد جذورها في شعاب الزمن، وتوحد أصولها من وراء الزمان والمكـان :   إن هذا لفي الصحف الأولى  صحف إبراهيم وموسى  [الأعلى الآيات : 18-19]، وهو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل خُلقه لمن أراد أن يتأسى ويقتدي به،  أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا [ الأحزاب الآية :21].

لكن الناس أعرضوا عن هذه الضرورة الكبرى التي أمرنا بها ربنا، صباحا ومساء حتى ترسخ في أذهان الكثيرين، أن عبادة الله تعالى لا تتحقق إلا بالأركان وحدها، وهي كفيلة بإحراز المحبة الإلهية التي هي أوجب الواجبات، ونسوا حظا مما ذكروا به، قال تعالى في الحديث القدسي:} ….. وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ……. الحديث{ ، إن المحبة الإلهية لا تورث ولا تباع ولا تشترى ولا تقرض، ولا يمكن الحصول عليها بالحيلة أو الجاه، وإنما تنال بفضل الله وتوفيقه كما قال القائل :
قد كنت أحسب أن وصلك يشترى بنفائس الأموال والأربــاح

وظننت جهلاً أن حبك هيـن
تفنى عليه كرائـم الأرواح

حتى رأيتك تجتبي وتخص مـن
تختاره بلطائف الأمنــاح

فعلمت أنك لا تنال بحيلــة
فلويت رأسي تحت طي جناح

وجعلت في عشِّ الغرام إقامـتي
فيه غدوي دائماً ورواحـي

وبالتقرب إليه بالنوافل الزائدة على الفرائض:} ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه{ لأن الإتيان بالفرائض جازم ويقع بتركها العقاب، لأنها الأصل والأساس والنوافل الفرع والبناء، لهذا كانت الفرائض أحب إلى الله تعالى وأشد تقربا، وإذا أدى المسلم الفرائض وزاد تقربا إلى الله تعالى بالنوافل، أفضى به ذلك إلى محبته: {لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه}، معناه من كانت هذه حالته تحققت منه إرادة القرب، فحصل المحبة ومن أحبه الله رزقه محبته وطاعته والاشتغال بذكره وخدمته.

معلوم أن الله تعالى فرض على المسلمين أن يذكروه كل يوم وليلة خمس مرات بإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها، وشرع لهم مع هذه الفرائض الخمس أن يذكروه ذكرا يكون لهم نافلة، والنافلة هي الزيادة أي ما زاد عن الفرض من جميع أصناف العبادات ظاهرها كتلاوة القرآن، إذ هو من أعظم ما يتقرب به، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : {ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه{ قال أبو النضر: يعني القرآن ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:” {إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه، يعني: القرآن{ . وقال عثمان : لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم”.

وكالذكر: قال رسول الله  : {يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي بشبر، تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة} .
لكن هذه النوافل تختلف باختلاف أحوال الناس، فمنهم العالم والأمي، فما تحقق في حقه تلاوة القرآن تكون زيادة الفضل عنده مراوحة النفس بينه وبين ذكر الله تعالى عند حصول الملل بأحدهما: {إن الله لا يمل حتى تملوا} لكن لمن لم يكن يحسن القراءة يتحقق في حقه الإكثار من ذكر الله تعالى وكلاهما يناجي ربه قال الإمام السخاوي : فإن قيل أيهما أفضل تلاوة القرآن أم الذكر؟ قال: “إذا قرأت القرآن فهو يناجيك، وإن ذكرت الله فأنت تناجيه” .

يتابع
الحجر الصحي
بالزاوية البصيرية العامرة بالله وقته
24 شعبان 1441 الموافق ل 19 ابريل 2020


شاهد أيضاً

سيصدر قريبا ضمن سلسلة مطبوعات مؤسسة محمد بصير كتاب “سير القلب بمدح المصطفى الحب إلى حضرة الرب”

سيصدر قريبا ضمن سلسلة مطبوعات مؤسسة محمد بصير لأبحاث والدراسات والإعلام عدد (27) كتاب قيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *