تلخيص كتاب “الإمداد القوي في شرح الورد الدرقاوي” ـ الحلقة الثالثة ـ

Spread the love

 تلخيص كتاب “الإمداد القوي في شرح الورد الدرقاوي” 

ـ الحلقة الثالثة ـ 

بقلم الدكتور مولاي عبد الهادي بصير

     بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم أيها الأخوات والإخوة

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته معكم إن شاء الله تعالى في الحلقة الثالثة من تلخيص كتاب إمداد القوي في شرح الورد الدرقاوي وبالله التوفيق:

معنى الذكر :
الذكر لغة: ذكر يذكر ذكرا وتذكارا، وذكر الله سبحه ومجده، وذكر اسما نطق به.
واصطلاحا: هو التخلص من الغفلة والنسيان بدوام حضور القلب مع الحق ( ابن عطاء الله: مفتاح الفلاح، ص: 6 .)
وأصل الذكر: التنبه للمذكور والتيقظ له، وسمي الذكر باللسان ذكرا: لأنه صار هو السابق للفهم.
وقد ورد لفظ الذكر في القرآن على ستة عشر وجها منها:
1- العمل الصالح
2- الذكر باللسان
3 – الذكر بالقلب
4 – الذكر على الأمر والقصة
5– الحفظ
6– العظة
7– الشرف
8 – الخبر
9– الوحي
10 – التوراة
11- اللوح المحفوظ
12– البيان والتفكر
13– الصلوات الخمس
14– صلاة واحدة
15 – التوحيد
16– الرسول.

وما يهمنا في بحثنا المتواضع المعاني الثلاثة الأولى:
أـ فوجه منها العمل الصالح :

كقوله تعالى: فاذكروني أذكركم [البقرة الآية 152].
أي: أذكروني بالطاعة، أذكركم بالثواب والمغفرة، قاله سعيد بن جبير.
وقال أيضا: الذكر طاعة الله، فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن.
وروي عن النبي  أنه قال: }من أطاع الله فقد ذكره وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن، ومن عصى الله لم يذكره وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن}.

ب – الذكر باللسان:

قال تعالى:  فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا  [البقرة الآية: 200].
وكقوله تعالى:   فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم  [ النساء الآية: 103].
وكقوله تعالى:  يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا [ الأحزاب الآيات :41-42].

د – الذكر بالقلب: قال تعالى:  والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله … الآية [آل عمران الآية: 135] يعني ذكروا الله في أنفسهم.

وخلاصة القول فالذكر عبارة عن أحوال مختلفة تكون دائما من الذاكر لمن يذكرونه، فتارة يكون:

ـ بالقلب: وهو عبارة عن حضور المذكور بالخاطر.

ـ وتارة باللسان: وهو عبارة عن ترديد اسمه.

ـ ومرة بالجوارح: وهي عبارة عن امتثال أوامره ومراقبته، والجامع لذلك كله كامل.

وهذه الأحوال إما أن تكون لمرة واحدة، أو مرات متعددة، والأهم في ذلك أن المذكور يحضر في نفس الذاكر، ويكون بعد ذلك ناطقا لـه بلسانه قال الجنيد رحمه الله :
ذكرتك لا أني نسيتك لمحة
وأيسر ما في الذكر ذكر لساني

قال ابن عطاء: “فالمتكلم ذاكر، والمتفكر في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وآياته في أرضه وسماواته ذاكر، والممتثل ما الله به أمر والمنتهي عما الله عنه نهى ذاكر” .
وقد جمع العلماء بين الذكر ودواعيه، فقالوا: الذكر لا يكون إلا عن تعلق، ولا يكون إلا عن شوق، ولا يكون إلا عن حب، وكثرة الذكر علامة الحب.
قال الإمام الجنيد رحمه الله: “من علامات المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان، وكلما ولع المرء بذكر الله إلا أفاد منه حب الله”.
من هنا نرى التلازم بين الذكر والنطق به، وبين المحبة الدافعة إليه، وقديما قيل: من أحب شيئا أكثر من ذكره، وهي حالة نفسية يترجم عنها القلب أولا، ثم اللسان ثانيا، وأنشدوا في ذلك :
كيف ينسى المحب ذكر حبيب
اسمه في فؤاده مكتوب

فالأصل إذن في الذكر ما كان بالقلب واللسان، فإن اقتصر على أحدهما، فالقلب أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم :”خير الذكر الخفي وخير الرزق ما كفي”. أخرجه أحمد في مسنده حديث رقم (1397).
وما كان بهما فهو الأفضل كما قال الحسن البصري رحمه الله : “إني أحب أن أذكر الله بقلبي وبلساني وبيدي”.
وهذا ما جنح إليه ابن عطاء رحمه الله حيث صنف الذكر إلى:
فالأول: ذكر القلب وهو أن يكون المذكور غير منسي فيذكر.
والثاني: ذكر أوصاف المذكور.
الثالث: شهود المذكور، فيفنى عن الذكر، لأن أوصاف المذكور تفنيه عن أوصافه فيفنى عن الذكر.(القصد المجرد في الاسم المفرد، ص 30)

وهنا أخلص إلى القول: بأن الذكر ليس مجرد الذكر بالشفة واللسان؛ ولكنه عملية مشتركة بين القلب واللسان والأعضاء ، فذكر الله إن لم يرتعش لـه الوجدان، و لم يخفق لـه القلب، ولم تعش به النفس، ولم يكن مصحوبا بالتضرع والتذلل والخشية والخوف، لن يكون ذكرا، بل قد يكون سوء أدب في حق الله سبحانه، لأن الذكر هو توجه إلى الله بالتذلل والضراعة والخشية والتقوى، حتى يصفو الجوهر الروحي في الإنسان ويتصل بمصدره الأعلى.

والذكر صنفان: مقيد بالزمان والمكان، ومطلق،
– فالمقيد كالذكر في الصلاة وعقبها وفي الحج، وقبل النوم، وبعد اليقظة، وقبل الأكل، وعند ركوب الدابة، وطرفي النهار…
– والمطلق ما لا يتقيد بزمان ولا مكان ولا وقت ولا حال.

* ومن الذكر ما هو ثناء على الله كقولك: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
* ومنه ما هو ذكر فيه دعاء كقولك: ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
* أو مناجاة كقولك: إلهي مني ما يليق بلؤمي ومنك ما يليق بكرمك.
* ومنه ما هو ذكر فيه رعاية كقولك: الله معي الله ينظر إلي الله يراني ، فإن فيه رعاية مصلحة القلب وهو ذكر يستعمل لتقوية الحضور مع الله تعالى، وحفظ الأدب معه، والتحرر من الغفلة والاعتصام من الشيطان الرجيم، وحضور القلب مع العبادة.

وما من ذكر إلا له نتيجة تخصه، فأي ذكر اشتغل به الإنسان إلا أمده بما فيه من قوة، حتى يفتح عليه فيه، خاصة إذا كان الذكر مع استعداد روحي كامل فإنه أدعى للفتح العاجل، ولكن بما يناسب الذاكر، وهذا يحتاج إلى جهد جهيد، يصارع فيه الذاكر ذاته، وأهواءه ولذاذات نفسه ومؤلوفاته، فيفنى عن كل شيء، وبهذا ربى أرباب القلوب مريدي السلوك إلى حضرة ملك الملوك، يقول مولاي العربي الدرقاوي رحمه الله عن نفسه في ابتداء أمره: “ونرى والله أعلم أن الفناء يحصل إن شاء الله في أقرب مدة بكيفية في ذكر اسم الجلالة الله… وهي أن نشخص حروف الاسم الخمس عند قولنا الله الله الله، ومهما زهقت عن تشخيصها، رجعت إلى تشخيصها، ولو زهقت عنها ألف مرة بالليل، وألف مرة بالنهار، رجعت إليها ألف مرة بالليل، وألف مرة بالنهار، فأنتجت لي هذه الكيفية فكرة عظيمة إذ كنت عليها في ابتداء أمري ما يزيد على الشهر من الأيام فكانت تأتيني بعلوم وهيبة كثيرة…” العربي الدرقاوي: بشور الطوية في مذهب الصوفية، الرسالة الثالثة عشرة.
لكن الناس قد انهمكوا – في هذا العصر بالذات – في طلب السعاد المادية، وسعوا سعيهم وراءها لاهثين، لتحقيق رغباتهم النفسية، ولخدمة أجسادهم وتنميتها وتغذيتها، حرصا منهم على استمراريتها، وجلبا لسعادتها، وما ذلك إلا لاتقاد شعلة الغرور في أفئدتهم، لأن القلب لا يمكنه أن يبقى فارغا، إن لم يملأ بحق ملأ بباطل، وتمخض عن هذا كله “ميلاد عصر شهواني جاهلي على حساب العقل والروح”، ونسوا أو تناسوا بأن لا قيمة لهذا الجسد إن لم تسر فيه روح، فأضحى همهم الوحيد هو جمع المادة والعناية بالشكليات، قال تعالى:  زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب   [آل عمران الآية :14] وغاب عن بالهم أنه لا تكمل إنسانية إنسان “إلا إذا أشرقت روحه على جسده، ولا يمكن لهذا الروح أن تشرق إلا إذا كان عندها من المناعة والقوة ما تستطيع به أن تتغلب على قرارات العاطفة، ولكي يتحقق ذلك فلا بد لها من غذاء تتكفل به قواعد التربية الإسلامية وأصولها.” الدكتور الشيخ سعيد رمضان البوطي : درس حسني “ذكر الله ذلك الجانب المنسي في حياة الإنسان المسلم” لعام 1413/1993.

فالإنسان أيها الأخوات والإخوة ثلاثي التركيب:
– أولا: جسم مصيره الفناء يرجع إلى أصله لقوله تعالى: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى [طه الآية 54].

-ثانيا: نفس جموحة، لذتها في تصيد الشهوات لإشباع الغرائز، ولذلك حكمة ووظيفة قال تعالى:   وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم  [يوسف الآية: 53].
-ثالثا: الروح؛ حياة هذا الجسم وسر اعتباره؛ ذلك السر الذي خص الله به نفسه بالعلم به  قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا  [الإسراء الآية: 85]،
أي قل: هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى مبهما، تاركا تفصيله لـه، ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه، مع العلم بوجودها.
الروح هذا السر من أسرار الله عز وجل “إذا أشرق على العقل تكون منه الفكر والوعي، وإذا أشرق على القلب تكونت منه العـواطف والوجدانات الدافعة والمجدة أي: الحب والخوف والرجاء والتعظيم، وإذا أشرق على الخلايا تكون منه ذلك الشعور، ولهذا شرعة واحدة، وهي: الروح التي هبطت من الملأ الأعلى قال تعالى :  فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا لـه ساجدين   [ص الآية: 72]، وليست نابتة من الأرض كما هو حال الجسد، الذي هو منها وإليها قال الله تعالى:   والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا  [نوح الآية: 18] لذا فهي تبقى مشدودة إلى مصدرها بحنين مستمر، لأنها موصولة النسب بالله تعالى نسبة تشريف وتكريم كيفما كان الجسد الذي حلت فيه قال تعالى:  ونفخت فيه من روحي درس حسني “ذكر الله ذلك الجانب المنسي في حياة الإنسان المسلم” لعام 1413/1993.
لكنا نظرا لارتكاسنا في أوحال الهوى أضحينا لا نشعر بهذا الحنين، فضجيج الغرائز و الأهواء وتأثيرها وقوتها، تقطع عنها طريق الوصول، فإذا كان كما قيل: الذباب يذهب ما في الألباب، فكذلك صخب الأهواء والشهوات يعكر صفو سير الروح نحو ربها، فكلما حنت إلى وطنها تسلطت عليها هذه الأهواء والغرائز” وترجمتها لحسابها، فبدلتها وكبلتها وأسرتها، لأنه بحكم الطبيعة فالغلبة دائما للأقوى، وهذا معنى من معاني قوله تعالى في الحديث القدسي: “وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا” أخرجه مسلم في صحيحه حديث رقم (5109). وأحمد (16837).
ومعنى من معاني فطرة الله التي فطر الله الناس عليها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”. أخرجه البخاري في صحيحه حديث رقم ( 1296).
إذا ما هو البلسم الشافي لهذه العلل والأدواء؟

يتابع
الحجر الصحي بالزاوية البصيرية العامرة بالله وقته 27 شعبان 1441 الموافق ل 21 أبريل 2020

شاهد أيضاً

سيصدر قريبا ضمن سلسلة مطبوعات مؤسسة محمد بصير كتاب “سير القلب بمدح المصطفى الحب إلى حضرة الرب”

Spread the loveسيصدر قريبا ضمن سلسلة مطبوعات مؤسسة محمد بصير لأبحاث والدراسات والإعلام عدد (27) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *