مداخلة الدكتور هاشم أحمد الطيب الفاتح محمد الفاتح قريب الله بعنوان: ” الطرق الصوفية في السودان: الطريقة السَّمَّانية أنموذجا”

Spread the love

الدكتور هاشم أحمد الطيب الفاتح محمد الفاتح قريب الله

أستاذ بجامعة أم درمان السودان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

السيد والي صاحب الجلالة ،السيد عامل صاحب الجلالة على إقليم أزيلال، السادة رؤساء المجالس المحلية العلمية، السادة أهل المغرب الأفاضل عامة، وأهل الصحراء أهل الوحدة الأكارم خاصة، السادة تلاميذ وأحباب الطريقة البصيرية، صاحب الدار وقائد ركب الأخيار مولاي إسماعيل بصير أفاض الله عليه إفاضته على المقربين الأبرار، الحضور الكرام كل باسمه ولقبه ومنصبه، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

إنه لمن دواعي الغبطة والسرور أن أشارك في أعمال هذه الندوة الدولية العلمية، والتي تنظمها الطريقة البصيرية بعنوان: “نظرات في دلالات مرور مائة سنة على وجود زاوية آل البصير الصحراوية ببني اعياط بأزيلال، وبمناسبة الذكرى السادسة والأربعين لانتفاضة سيدي محمد بصير التاريخية بالعيون عام 1970” وستكون مداخلتي بإذن الله بعنوان: “الطرق الصوفية في السودان: الطريقة السَّمَّانِيَةُ أنموذجاً”، ولكن اسمحوا لي إخوتي وسادتي وشيوخي، قبل أن أدلف إلى ورقتي أن أتحدث عن هذه الدلالات العميقة التي يحتفل بها بمناسبة مرور مائة عام على زاوية الطريقة البصيرية ببني اعياط بإقليم أزيلال.

أشكر الله سبحانه وتعالى أن منَّ علي برفقة الوالد الشيخ الدكتور أحمد الطيب الشيخ الفاتح الشيخ قريب الله، شيخ الطريقة السَّمَّانِيَةُالطَّيِّبِيَةالقَريبية، وبدعوة كريمة من جلالة الملك محمد السادس، لمؤتمر سيدي شيكر للمنتسبين للتصوف، وفي مسجد سيدي شيكر تلاقت القلوب واجتمع الناس، ومن ضمن الذين التقيناهم، مولاي إسماعيل بصير، فوقع بينه وبين الوالد مودة ومحبة ترتب عليها أن يدعونا لزيارة الزاوية؛ ولما كان الوالد مشغولا ومرتبطا بمواعيد سابقة، استخلفني لأكون في صحبة مولاي إسماعيل.

لقد قلت هذا الكلام في عام 2010، ولكن ما كان لنا أن نعرف شيئا حقيقيا عن المغرب لولا أننا دخلنا من بوابة الطريقة البصيرية؛ وما كان لهذه المحبة الصادقة أن تحصل بيننا وبين أهل المغرب عامة وبين أهل الصحراء خاصة وبين مولاي إسماعيل وأحبابه من أهل الطريقة البصيرية لولا تلكم الزيارة التي فتحت بابا كبيراً بين الطريقة السَّمَّانِيَةُ في السودان والطريقة البصيرية في المغرب، وظللنا على صلة واتصال وزيارات متعاقبة نأتي إلى المغرب، وكلما نعود إلى بلادنا في السودان، نعود وكؤوسنا مترعة، مترعة بهذا الجمال، ومترعة بهذا الفيض الرباني، ومترعة بكل المعاني السامية التي تجسدها هذه الزاوية، ونحن نعلم إخوتي الكرام أن الزاوية لها أدوار تاريخية، ولكن زاوية آل البصير احتفظت بأدوارها التاريخية وأضافت عليها أدواراً جديدة، أولى هذه الأدوار التاريخية التي كانت تعرف عن آل البصير، أنهم دوما كانوا يدافعون عن أهل المغرب ضد المستعمر والمحتل، وأنهم دوما كانوا يؤكدون على وحدة الأراضي المغربية؛ وليس ببعيد عنكم سيرة البطل المجاهد الشيخ محمد بصير الذي جاهد في سبيل أن تظل الصحراء مغربية، وأن يظل للمغرب كامل سلطانه على الصحراء المغربية.

أنا من فرط إعجابي بهذه التجربة، أبشر عنها كل من ألتقيه بالسودان؛ وامتد هذا الإعجاب إلى الإعجاب أيضا بالتجربة المغربية في إعادة هيكلة الحقل الديني، فهي تجربة تحتاجها كل الدول الإسلامية، السودان الآن قد يكون بمنأى عن الإرهاب، ووقد يكون بعض الشيء بمنأى عن الجماعات المتطرفة؛ وهذا كله يعزى لوجود الطرق الصوفية في السودان، فلا يختلف اثنان أن الطرق الصوفية قد شكلت وجدان معظم أهل السودان، وتركت آثاراً متعددة ومتجددة في الحياة السودانية منذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي مما أكسب هذه الآثار أهمية خاصة في دراسة الأصول الفكرية للمجتمع، والروافد المغذية والمؤثرة في تشكيل الشخصية السودانية. وارتبط ذلك كله بحركة دؤوبة في مجالات متعددة أبرزها المجال الاجتماعي، الثقافي والسياسي في الحقب التاريخية المختلفة.

ولعلنا نتفق مع مجموعة من الباحثين فيما ذهبوا إليه من أن التصوف في السودان يعتبر متنفسا طبيعيا، واتجاها حتميا، للمزاج الديني والنزعة الروحية التي ظلت تميز المجتمع السوداني.

تسعى هذه الورقة إلى تناول الطرق الصوفية في السودان من منظور تاريخي، مستندة في ذلك إلى فيض من المصادر والمراجع التي تزخر بها دار الوثائق القومية، ومكتبات مؤسساتنا العلمية والثقافية؛ ولن تكتمل جدوى هذا الطرح دون التعرض للسياق الاقتصادي والاجتماعي الذي ظهرت فيه هذه الطرق.

يرى الپروفيسور عصمان سيدي أحمد أن التطور التاريخي للإسلام في السودان يدفعنا إلى القول بأن الصوفية وجدت طريقها إلى السودان عقب انتشار الإسلام ودخوله مباشرة، ويعزز هذا الرأي ما ذهب إليه الپروفيسور يوسف فضل مدير جامعة الخرطوم سابقا، بأن الثقافة الفقهية التي وجدت سبيلها إلى السودان في وقت مبكر استكملت بثقافة أهل التصوف، ويذكر الپروفيسور الراحل محمد إبراهيم أبو سليم أن الحركة الصوفية مرت خلال مسيرتها المتطورة في السودان بثلاثة مراحل.

التصوف في السودان جعل جغرافية السودان جغرافية روحية، بمعنى أن المدن في السودان لم تنشأ على الاشتراطات الجغرافية، وإنما نشأت إعتمادا على مركز إشعاع لزاوية ما. فهذه الزوايا في السودان على تنوعها هي التي شكلت الجغرافيا الحقيقية، الجغرافيا الروحية لأهل السودان.

هناك اختلاف في دخول الطرق الصوفية إلى السودان، منهم من يقول بأن الطريقة القادرية كانت أول الطرق دخولا إلى السودان، وبعضهم يقول بأن دخول الطريقة الشاذلية عن طريق بعض الدول الإفريقية، كان سابقا للطريقة القادرية،  التي كانت ولاتزال تشكل مصدراً للإشعاع الروحي، ومصدراً للتعاضد الاجتماعي في السودان .

لا بد أن تعرفوا أن السودان به حوالى750 قبيلة، كل هذه القبائل ما كان لها أن تتعايش في بلد واحد لو ظلت كل قبيلة متقوقعة على نفسها، ولكن كان للطرق الصوفية في السودان الأثر البالغ بأن جمعوا بين هذه القبائل التي ربما يكون بعضها على صراع ونزال، وكانت أدوار الطرق الصوفية تمتد إلى وقف الصراعات بين القبائل المختلفة وإجراء الصلح بينهم واستيعاب هذه القبائل في مظلة أكبر وهي الطريقة الصوفية، ونشأت بين القبائل المتحاربة المختلفة محبة في الأخوة في الطريقة الصوفية.

كان ذلك عاملا أساسا في تحديد الهوية الثقافية في السودان، وعاملا أساسا في استقرار المجتمع السوداني، استقرار كبير ترتب عليه في عام 1504 – وهو عام قريب من سقوط دولة الأندلس-، قيام أول سلطنة إسلامية في السودان، تسمى سلطنة الفونج، هذه السلطنة التي دعمت بصورة كبيرة الطرق الصوفية، حتى أن بعض الباحثين يقولون بأن العصر الذهبي للطرق الصوفية في السودان كان في فترة سلطنة الفونج، لأن السلطنة كانت تحترم قادة الطرق الصوفية احتراما كبيرا، والعجيب هو أن قادة الطرق الصوفية كلهم دون استثناء كانوا من المجاهدين المدافعين عن الأراضي السودانية؛ ففي كل غزو خارجي -كما حدث مرات متكررة-، كان الجيش المدافع عن أهل السودان جله من أهل التصوف؛ كانوا مجاهدين، وكانوا يدعون إلى حالة من التوافق والسلم الاجتماعي، وكانوا يقدمون الدعوة الإسلامية في السودان عن طريق خدمة الناس وتقديم العون لهم، فظلت التكايا والزوايا تستوعب كل المواطنين السودانيين دون استثناء، تقدم لهم خدمات التعليم والصحة، وأحيانا تفصل في المنازعات حتى المنازعات الأسرية بين الناس، وأسهمت الطرق الصوفية إسهاما كبيرا في نشر الإسلام بصفة عامة في أصقاع السودان المختلفة.

وأنتم تعلمون إخوتي الكرام، كانت في السودان مناطق وثنية غير إسلامية ما كان للمسيحية ولا لأي شريعة سماوية أخرى أن تنتشر فيها؛ ولكن تمكن أهل التصوف بأن يذهبوا إلى تلك المناطق، وأن يؤسسوا إلى ما يعرف عندنا بالسودان بمؤسسة المسيد، وهي المسجد المتعدد الأغراض، يعني يوازي في المغرب ما تفعله الزاوية بكل تفاصيله.

وكان أيضا للطرق الصوفية في السودان إسهام كبير في الحركة الثقافية وإسهام كبير جدا في الحركة العلمية، وكان أيضا لهم إسهام بارز في الشأن السياسي السوداني. فالناظر للأحزاب السودانية سيرى أن أكبر الأحزاب كان “حزب الأمة”، بقيادة الإمام عبد الرحمان ابن الإمام محمد أحمد المهدي، وهو قائد طائفة الأنصار، وإذا ذكرنا المهدي فلابد أن نذكر أن الإمام المهدي نشأ وتربى وترعرع في مؤسسة الطريقة السَّمَّانِيَةُ، وكان أحد شيوخها ، أجيز من قبل الشيخ محمد شريف ابن الشيخ نور الدائم ابن سيدي الشيخ أحمد الطيب ناشر الطريقة السَّمَّانِيَةُ في السودان، وهناك حزب آخر يسمى “الحزب الاتحادي”؛ هذا الحزب أيضا كان مرجعه الطريقة الختمية؛ والطريقة الختمية هي من مدرسة الإمام أحمد بن إدريس، هذه الأحزاب السياسية كانت دوما تنادي بأن يكون السودان دولة إسلامية، فكل هذه الأشياء وجدت لأن الخلفية هي خلفية إسلامية، خلفية صوفية.

كان أهل التصوف في السودان ولا يزالون يحتفظون بأدوارهم التاريخية، ويعملون دأبا في أن يكون لهم إسهام في كل المجالات وينفعلون مع كل القضايا المجتمعية.

والطريقة في السودان تحمل همَّ المجتمع، هي ليست في عداء مطلقا مع السلطة، لكنها ليست في حالة إذعان للسلطة؛ بمعنى أن أهل التصوف في السودان دوما يحتفظون لأنفسهم بمسافة تسمح لهم بأن يكونوا ناصحين للحاكم، و نصحهم دائما يكون لوجه الله سبحانه وتعالى، لا يبتغون من ورائه مصلحة اقتصادية أو مصلحة مادية.

أهل التصوف الآن  يسعون إلى إنشاء جسم يسمى “المجلس الأعلى للتصوف”؛ والغرض الأساس منه، هو أن تجتمع كل الطرق الصوفية في جسم تنسيقي، يستطيع أن يحافظ على مهام الطرق الصوفية في الدعوة إلى الله، ومهام الطرق الصوفية في السلم الاجتماعي، ومهامهم أيضا في إزالة حالات الهشاشة والفقر والتهميش.

كل هذه المهام ظلت تحتفظ بها الطرق، وأسأل الله سبحانه وتعالى في خاتمة حديثي أن يوفق أهل الطريقة البصيرية، وأهل المغرب عامة إلى ما يحبه ويرضاه.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

شاهد أيضاً

مداخلة الأستاذ نور الدين فاديكا بعنوان: ‘ الزوايا الصوفية ذات الأصول المغربية في غينيا كوناكري”

Spread the loveالأستاذ نور الدين فاديكا مدير الأوقاف بدولة غينيا كوناكري الحمد لله العلي القدير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *