ملخص كتاب إمداد القوي في شرح الورد الدرقاوي ـ الحلقة الأولى ـ

Spread the love

ملخص كتاب إمداد القوي في شرح الورد الدرقاوي ـ الحلقة الأولى ـ

بقلم الدكتور مولاي عبد الهادي بصير

                                        بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله

هذا بفضل الله تعالى أوان الشروع في الوفاء بما كنت وعدت به احبتي من تلخيص كتاب إمداد القوي في شرح الورد الدرقاوي تنفيدا لأوامر شيخنا الجليل مولاي إسماعيل حفظه الله.

اقول وبالله القائل والمقول، لم يكن يخطر ببالي أن أكتب يوما ما في موضوع ما، حتى جاء اليوم الذي أفصح لي سيدي الشيخ الوالد رحمه الله عن رغبته في وضع شرح على الورد الدرقاوي، وحين قبلت الفكرة تهلل وجهه رحمه الله وسر بي غاية وإذن في ذلك. وكان من جميل صنع الله تعالى أن قدم له العالم العلامة عمي سيدي مولاي المختار رحمه الله، وحكت لي زوجه المصونة أنه لما وضع له التقديم اذرفت عيناه دموع السرور رحمه الله تعالى وغفر له واسكنه فسيح جناته.

إن من لم يخض مخاضة قلما يدرك بادئ ذي بدء كيف يضع رجله فيها، ولا كيف يخطو الخطوة الأولى، لكن كما قيل:” التيسير من علامة الإذن الصحيح”، فلقد عاينت ذلك يقينا، فما كانت تخطر ببالي مسألة إلا وتسعفني بها الأقدار، وحتى لا أحمد بما لم أفعل، أقر بالذي قد كان مني صراحة: أني كنت عالة على مجهودات الأوائل رحمهم الله. لأنه كما قال الحكيم:
لم يترك من مضى للذي قد غبر
من فضل علم سوى أخذه بالأثر

وبعد، إن الله تعالى أوجد هذه المخلوقات ظاهرها وخفيها علويها وسفليها من عدم ومن غير مثال سابق ، وجعل لكل منها مقاما معلوما ومهمة لا يتجاوزها إلى غيرها، وقضى عليها بعبـادته قـال تعـالـى في كتابـه العزيز: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه” [الإسراء الآية :23] وقال أيضا: “إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا” [ مريم الآية: 93] فلم تعد العبادة على هامش الحياة بل صارت الغاية المثلى والمبدأ الأول الذي أنزل الله كتبه وبعث رسله لدعوة الناس إليه وتذكيرهم به إذا نسوه أو ضلوا عنه، ولهذا خاطب سيد المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله:” وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون” [الأنبياء الآية:25] وكانت الصيحة في كل رسالة :” أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت” [النحل الآية: 36]، ولما ختم الله كتبه بالقرآن وختم رسالاته بالإسلام وختم النبيين بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أكد هذه الحقيقة وأعلن في كتاب الخلود : “أن الغاية من خلق المكلفين أن يعرفوا الله ربهم ويعبدوه، فهذا سر خلق هذا الجنس الناطق المفكر المريد في هذا العالم فقال تعالى في بيانه القديم :”وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” [الذاريات الآية 56] .

جاءت هذه الآية بعد آية ممهدة لها يقول فيها:” ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين”[الذاريات الآية 50] توحي بأن الإنسان في هذه الحياة مثقل الكاهل بأعبائها التي أخلدته إلى الأرض، وعقلته بعقالها، حتى لا يقدر على تحريك ساكن، ويبقى مركوسا في حضيض شهواته وأهوائها، يحوم حول حماها كحمار الرحى، المكان الذي انتقل منه يعود إليه، مما يعوق معرفته بمهمته، ويظل حيث هو في غفلته ليلها كنهارها، لاهثا وراء ما ضمن لـه مقصرا فيما طلب منه، أخلد إلى الأرض وأتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، عساه أن يسعد، إلى أن انقضت أيام الدنيا، فقضى ولم يقض منها وطرا، فما يبقى أمامه إلا أن يولي وجهه شطر ربه الذي لا ملجأ منه إلا إليه، ليكشف بلواه، ويضع عنه إصره والأغلال التي كانت عليه، ولا أحد يقدر على ذلك إلا الله ذي القوة المتين .

يقول السيد قطب رحمه الله في هذا المضمار : “والتعبير بلفظ الفرار عجيب حقا، وهو يوحي بالأثقال والقيود والأغلال والأوهاق التي تشد النفس البشرية إلى هذه الأرض، وتثقلها عن الانطلاق وتحاصرها وتأسرها وتدعها في عقالها، وبخاصة أوهاق الرزق والحرص والانشغال بالأسباب الظاهرة للنصيب الموعود، ومن ثم يجيء الهتاف للانطلاق والتملص والفرار إلى الله من هذه الأثقال والقيود، الفرار إلى الله وحده منزها عن كل شريك … “

لكن هذا الفرار لم تتحدد وجهته إلا بعد مجيء الآية الثانية بعدها، فيتضح معنى الفرار، والتخلص من الأوهاق والأثقال ، لأداء الوظيفة التي خلق الله العباد لها، ومنحهم وجودهم ليؤدوها:” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”[الذاريات الآية 56]، هذه حقيقة ضخمة هائلة يسفر عنها كلام ربنا، من أضخم الحقائق الكونية التي لا تستقيم حياة البشر على وجه البسيطة بدون وعيها و استيقانها، حياة فرد كانت أم جماعة، أم حياة الناس كافة في جميع أطوارها وأعصارها، فهي حجر أساس هذه الحياة بتعبير أشمل قال تعالى :” يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون” [البقرة الآية :20] ، هذه الوظيفة غاية الإيجاد” من قام بها وأداها فقد حقق غاية وجوده؛ ومن قصر فيها أو نكل عنها فقد أبطل غاية وجوده؛ فأصبح بلا وظيفة، وباتت حياته فارغة من القصد، خاوية من معناها الأصيل، الذي تستمد منه قوتها، وقد انفلت من ناموس الوجود الذي خرج به إلى الوجود، وانتهى إلى الضياع المطلق، الذي يصيب كل كائن ينفلت من ناموس الوجود، الذي يربطه ويحفظه ويكفل له البقاء” .
إذاً، فهذا الإيجاد لم يكن فقط لعمارة الأرض، ولاستخلاف فيها مصداقا لقوله تعالى:” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة…. الآية ” [البقرة الآية :30] وإطلاق يد البشر فيها سداً، و إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، وكشف ما بطن فيها من خيرات، للترفه والبطر، بل تسخير هذا كله في المهمة الضخمة التي أسندت إليه، وهي المهمة العليا التي لأجلها وجد الخلق – العبادة – والتسبيح بحمده والتقديس له وهي وحدها الغاية المطلقة للوجود وهي وحدها العلة الأولى للخلق وهي محققة بوجوده.

إن الإنسان في هذه الحياة، وهو يؤدي وظيفته العبودية معرض للامتحانات لتحقيق هذه العبودية لله، لابد أن يفتن حتى يخلص من كل شائبة تنوبه في أثناء أداء رسالته ليمحص الصادقين من الكاذبين، قال تعالى:” الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون” “ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين” [العنكبوت: الآيات: 1- 2- 3] لأن الإيمان ليس كلمة تقال، وإنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال، “لكل حق حقيقة” فلا يكفي أن يقــول الناس آمنـا وهـم لا يفتنـــون، لا يتركــــوا لهذه الدعوى حتى يتعرضــــوا للفتنة ويثبتوا عليها وتخرج منها خالصة عناصرهم، صافية قلوبهم؛ كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به، كذلك تصنع الفتنة بالقلوب، وهي أصل ثابت وسنة جارية في ميزانه سبحانه، “ولقد فتنا الذين من قبلهم”.

ولنا في سيد الخلق وقمة الاصطفاء ومسك الختام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم “أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا”[الأحزاب الآية:21] قدوة نقتدي به في اليقين والصبر وسائر الفضائل.
فلو نظر الإنسان في نفسه خلال يوم وليلة، لتعجب من الحالات التي تنتابه من حين لآخر، فهو لا ينفك عن التقلب بين قبض وبسط، وفرح وترح، وعن القلق والترقب، والخوف من المجهول والاطمئنان على الحاضر، يسمع تارة ما يسره، وتارة ما يكدر صفوه، سنة الله في عباده: “ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم” [محمد الآية: 31].

فالناس في هذه الحياة طرائق قددا، فريق مؤمن يفر إلى الله موقنا بحاجته إليه في كل حين كلما ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه، مدركا أنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، يرضيه بما افترض عليه، ويتحبب إليه بالمزيد فيما رغب فيه، والفرار مما رغب عنه، فيزداد تقربا ينال به حبا، فيحصل على المعية، فيتقوى بذلك على مواجهة مشكلات حياته، ويعالجها بقربه من ربه وتواضعه إليه لا باستكباره .

وفريق ثاني؛ تأخذه المشاكل على حين غرة فينسى ربه الذي أوجده، ويركن إلى نفسه يضرب أخماسا في أسداس، سابحا في يم الأماني والوعود الزائفة، استقل سفينة الغرور ربانها :” يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا” [النساء الآية 120] ، فيأخذه اليأس وينسى الرجاء وبدل أن يفر إلى الله يفر بانعدام الإيمان إلى ارتكاب الكبائر والمحرمات والجفاء.

وثالث : تقلبه رياح الحياة يمنة وشمالا يريد الاهتداء إلى الطريق السوي فيغتم وتتوالى عليه مشاكل الحياة من كل حذب وصوب، وتتراكم وهو مع هذا يريد أن يبقى متمسكا بدينه، لكن الشرائع تكاثرت عليه، فلا يدري كيف يقدم رجلا ويؤخر أخرى فيبحث عن باب جامع لخصال الخير والهداية، فلا يجد بابا أوسع ولا أرحب ولا أوجز من باب الذكر، ذكر الله ذلك الحبل الموصول الذي لا ينفصم أبدا.

يتابع
الحجر الصحي
بالزاوية البصيرية العامرة بالله وقته
24 شعبان 1441م الموافق 18 ابريل 2020

شاهد أيضاً

سيصدر قريبا ضمن سلسلة مطبوعات مؤسسة محمد بصير كتاب “سير القلب بمدح المصطفى الحب إلى حضرة الرب”

Spread the loveسيصدر قريبا ضمن سلسلة مطبوعات مؤسسة محمد بصير لأبحاث والدراسات والإعلام عدد (27) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *